عبد الوهاب الشعراني

188

تنبيه المغترين

وكان أبو مسعود البدري رضي اللّه عنه لا يجيب إلى وليمة إلا إن علم أن لا يكون هناك شيء نهى اللّه عنه ، وقد كان أبو أيوب الأنصاري رضي اللّه عنه إذا ذهب إلى وليمة ورأى في البيت سترا يرجع ويقول لا يستر البيوت إلا الأكاسرة والجبابرة ، ونحن لا نأكل لهؤلاء طعاما ، وقد دعي حذيفة رضي اللّه عنه إلى وليمة فرأى هناك شيئا من زي العجم فرجع مسرعا وقال من تشبه بقوم فهو منهم ومن رضى بفعل قوم فهو شريكهم . وكان محمد بن سلام السكندري رحمه اللّه تعالى يقول : قد ذهبت السنة في الولائم أن الجفان كانت تملأ طعاما ويغدى بها إلى المسجد فيأكل منها كل من كان حاضرا من غني وفقير وشريف ووضيع ، وكان صاحب الوليمة إذا خص الأغنياء بالدعوة لا يأكل الناس له طعاما ويقولون إنه شر الطعام . وكان الفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى يقول : إن الرجل ليكون له موقع من قلبي ، فإذا رأيته وسع في الطعام سقط من عيني لقلة ورعه ، وقد قال لقمان عليه السلام لابنه : يا بني إياك وحضور الولائم فإنها تذكرك بالدنيا وشهواتها ا ه ، وكان أيوب السختياني رحمه اللّه تعالى يقول : لا يكمل الرجل حتى يكون فيه خصلتان التعفف عما في أيدي الناس وتحمل الأذى منهم ، وكان مالك بن دينار رحمه اللّه تعالى إذا دعي إلى وليمة ورأى هناك أحدا من ولاة الجور رجع مسرعا وقال : إنا لا نجالس الجبابرة ، وكان ميمون بن مهران رحمه اللّه تعالى يقول : مؤاكلة المحب تهضم الطعام ومؤاكلة العدو تتخمه . وكان شقيق بن إبراهيم رحمه اللّه تعالى يقول : لم يبق في هذا الزمان وليمة على وفق السنة ولقد ندمت على إجابتي الولائم ، وكان الثوري رحمه اللّه تعالى يقول لأصحابه : عليكم بعدم حضور الولائم ما أمكن إلا إن كانت سالمة من البدعة فإنه ما أكل رجل قط من قصعة رجل إلا ذل له ، وقد كان أمير المؤمنين عمر وعثمان رضي اللّه تعالى عنهما لا يجيبان إلى حضور الولائم ويقولان : نخاف أن يكون الطعام مباهاة وتفاخرا . وكان عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه يقول : نهينا أن نجيب إلى طعام من أظهر لنا أمارات الرياء والسمعة في طعامه أو كان في بيته ستور كستور الكعبة ، وكان حاتم الأصم رحمه اللّه تعالى يقول : إن مذمة الناس للشخص في هذا الزمان مدحة له ، لأنهم لا يذمونه إلا بما لا تهواه نفوسهم ، وكان موسى بن طلحة رضي اللّه عنهما يقول : أرسل إلى عبد الملك بن مروان بثلاث بدر فضة وأرسل يقول فرقها على الفقراء فأجبته إلى ذلك ثم أرسلت منها شيئا إلى أبي رزين العقيلي وكان مجهودا رحمه اللّه تعالى فكأني ألقيت عليه العقارب فردها وبات طاويا .